بيت التراث الهجَري ـ الأحساء - تأسس عام 2009م -

مرحباً بكم في بيت التراث الهجَري, كلمة الهجري منسوبة لإقليم هجر شرق الجزيرة العربية الأحساء حاليًا . كانت الأحساء قديما تمتد من البصرة حتى عُمان .
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول
<div style="background-color: none transparent;"><a href="http://www.rsspump.com/?web_widget/rss_ticker/news_widget" title="News Widget">News Widget</a></div>

شاطر | 
 

 الأحساء .. من تفجر الينابيع إلى انفجار النفط - منفذ الدولة السعودية عبر البحر ومنها تم أول اتصال للدولة مع العالم * مدن الملح والواحات تعانق مدن النفط وتستمد وجودها من الذهب الأسود * العيونيون والعصفوريون والجبريون والقرامطة أقاموا دولا هنا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
تمريّون
Admin
avatar

عدد المساهمات : 838
نقاط : 1544
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 03/08/2012

مُساهمةموضوع: الأحساء .. من تفجر الينابيع إلى انفجار النفط - منفذ الدولة السعودية عبر البحر ومنها تم أول اتصال للدولة مع العالم * مدن الملح والواحات تعانق مدن النفط وتستمد وجودها من الذهب الأسود * العيونيون والعصفوريون والجبريون والقرامطة أقاموا دولا هنا   السبت مارس 02, 2013 7:24 pm

الأحساء .. من تفجر الينابيع إلى انفجار النفط - منفذ الدولة السعودية عبر البحر ومنها تم أول اتصال للدولة مع العالم * مدن الملح والواحات تعانق مدن النفط وتستمد وجودها من الذهب الأسود * العيونيون والعصفوريون والجبريون والقرامطة أقاموا دولا هنا



( حساكم - بدر الخريف )



أسهم الاكتشاف التاريخي للنفط في بئر الدمام رقم (7) قبل أكثر من سبعة عقود في إحداث نقلة في المنطقة الشرقية من السعودية التي تفجر النفط من تحت أرضها، حيث تنام على بحيرات من الذهب الأسود، بل إن أوضاع السعودية تحولت برمتها وأصبحت مدنها جاذبة للملايين من الفنيين والعمال ورجال الأعمال والخبراء من تخصصات مختلفة بلغ عددهم وفق آخر إحصائية أكثر من 8.4 مليون نسمة من المقيمين، إضافة إلى أبناء السعودية الذين بلغ عددهم وفق الإحصائية ذاتها 18.7 مليون نسمة.
وإذا كان من المألوف في عالم اليوم المتعطش لاستهلاك الطاقة أن تعود الموارد النفطية على الدول التي تملكها بثروات طائلة، وتغير حياة السكان، فإن الأوضاع في المنطقة الشرقية تختلف، حيث إن ملامح المنطقة عبر أزمان طويلة توحي بسلسلة من الإنجازات الباهرة تحققت على أرضها التي تعانق أهم طرق التجارة المائية في العالم، بل إن أقدم ممر مائي طويل استخدمه الإنسان لأغراض تجارية عبر التاريخ تسترخي عليه المنطقة، كما أن ساحل الخليج العربي الذي تطل عليه المنطقة كان له تأثير انفتاحي يجمع بين حضارات وثقافات متعددة داخل المناطق الداخلية، ومن خلال مجاورتها لحضارات كان لها قوة تجارية هائلة، مثل حضارة الرافدين حيث كانت المنطقة خلال آلاف السنين قطبا يجتذب النشاط التجاري إلى الخليج من المحيط الهندي وعبر شبه الجزيرة العربية من شرقها إلى جنوبها انطلاقا من اليمن، وقد جلب هذا النشاط التجاري في حقب تاريخية مختلفة ازدهارا عظيما وإثراء ثقافيا ليس للمنطقة فقط بل ولمعظم مناطق شبه الجزيرة العربية، وأصبح حافزا إلى التحضر والاستقرار وبالتالي قيام المراكز الحضارية. وأسهمت عوامل عدة في رسم ملامح المنطقة الشرقية من السعودية، عبر أزمان طويلة، لعل أهمها موقعها الجغرافي، والتفاعل بين البدو والحضر على الساحل وفي الواحات وفي البحر، ثم غناها بمواردها من المياه العذبة، وببحرها الذي يختزن كنوزا من اللؤلؤ ظل نشاطا ودعامة رئيسية للاقتصاد من خلال تجارة صيد اللؤلؤ، كل ذلك يعني أن المنطقة الشرقية تتكئ على أرضية خصبة وأرث حضاري أسهم النفط في إبرازه على شكل نشاط تنموي لم يتكرر في التاريخ.

هنا رصد لتاريخ المنطقة منذ العصر الحجري الحديث قبل سبعة آلاف عام إلى أن تفجر النفط بكميات تجارية من أرض المنطقة التي احتضنت أكبر حقل نفطي ساحلي في العالم، وعلى أثره قام نشاط غير مسبوق ونشأت بسببه مدن نفطية عانقت مدن الملح القديمة، وتزاوجت الحضارة الحديثة بحضارات المنطقة القديمة كـ(ديلمون) التي تؤكد السجلات التاريخية أنها كانت ذات نشاط تجاري، بل إن هذه المملكة أقرت نقابة للتجار، وأوردت اسم إيا - نصر عضوا فيها وقد عاش قرابة عام 1800 قبل الميلاد.

تشير المؤشرات المتوافرة إلى وجود الحياة في شرق شبه الجزيرة العربية إلى حقبة العصر الحجري الحديث، أي إلى ما قبل سبعة آلاف سنة تقريبا.

وقد أدت تربية الحيوانات وزراعة المحاصيل إلى تحول في حياة المجتمع البشري، كما أدى الاستيطان والاستقرار وفائض الإنتاج والتجارة وتطور السلم الهرمي والاجتماعي إلى ظهور البلدات والمدن، وقد تحول الصيادون في المنطقة الشرقية لشبه الجزيرة العربية وكذلك القطافون إلى رعاة الماشية وحاصدي محاصيل الحبوب البرية، وبحلول ما يقارب الألف الخامسة قبل الميلاد، كان سكان المنطقة قد تعرفوا ثقافة (عبيد) العراقية التي جلبت إليهم أولى الأواني الفخارية التي استخدمت فيها، وقد عثر على هذه الأواني في موقع داخل المنطقة صنعت خلال ثلاث مراحل مختلفة: أولاها إلى 5100 عام قبل الميلاد، وكان الموقع الأقدم منها يقع في منطقة داخلية عند عين قنّاس إلى الشمال من واحة الأحساء، وهو مستوطنة بسيطة مستديرة من أرض طينية تحيط بها أعواد القصب وسعف النخيل، وتشير الكميات التي وجدت في المواقع الأثرية قرب الساحل الشمالي والجنوبي من ميناء الجبيل من الأصداف وعظام السمك إلى أن سكان الساحل كانوا يعتمدون على البحر من أجل الحصول على الغذاء، كما تُلمح إلى أن صيد اللؤلؤ تعود جذوره إلى ذلك الزمن السحيق من التاريخ. ووفقا لكتاب قصة المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية الذي أنجزته مؤسسة التراث بالرياض، فإن أشكال الاتصال عبر البحر حول شبه الجزيرة العربية كانت متعددة ومتنوعة، كما كانت تجري من خلال الرحلات القصيرة بين المستوطنات البشرية، وكانت تفيد تماما في ذلك الزوارق الصغيرة المصنوعة من أغصان سعف النخيل، كالزورق الذي لا يزال يستعمل حتى اليوم لصيد السمك ويدعى (شاشاه) أو من حزم من القصب المتوافرة بكثرة في السهول الساحلية المنبسطة، وكانت تلك الزوارق وسيلة جيدة بالنظر للقدرات الفنية للناس الذين عاشوا في أواخر العصر الحجري.

ديلمون الحضارة الأولى وأشار الكتاب إلى الحضارة الأولى في المنطقة وهي حضارة ديلمون، حيث استمرت الروابط بين جنوب العراق وسكان الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية إلى ما بعد عصر حضارة (عبيد)، فبحلول الألف الثالث قبل الميلاد كان السكان هناك يعايشون للمرة الأولى شكلا من أشكال الحضارة المدنية الخاصة بهم بفضل تأثير السومريين الذين كانوا قد أنشأوا عددا من الدول والمدن في جنوب العراق، ومن بينها مدينة (أور) التي يعتقد أنها كانت تقع على ساحل الخليج في ذلك العصر، وهي اليوم على بعد عشرات الكيلومترات من الساحل، والحضارة السومرية من الواضح أنها انطلقت من بيئة محلية وتعد أقدم الحضارات، بل إنها أقدم من الحضارة الفرعونية في مصر والأخيرة، ويبدو أنها تأثرت في بعض نماذجها الشكلية بالحضارة السومرية، ولعل من الثابت أن الدور الحقيقي لديلمون هو أنها كانت مركزا تجاريا حيويا وموقعا مهما لأسواق البضائع والسلع القادمة من الثغر الجنوبي للخليج، وكان تجار ديلمون يتعاملون بجميع أصناف السلع، وكانوا على سبيل المثال يحولون النحاس إلى سبائك ويعدونها للشحن إلى المدن السومرية التي كانت تفتقر إلى المواد الخام، وكانت سفن ديلمون تجلب أيضا صخورا ذات أنواع رفيعة، كحجر الديوريت الذي كانت تصنع منه تماثيل الآلهة والملوك، وكان من صادرات ديلمون ذاتها التمر والبصل والقماش، وربما كان منها أيضا اللؤلؤ أو الكريمة التي وردت في الكتب القديمة بوصفها عين السمكة، وكانت لتجار ديلمون أنواع متميزة من الأختام التي يثبتون بدمغاتها ملكيتهم لبضاعة ما ومصادقتهم على صحة وثيقة ما، ويبدو أنه كان هناك أيضا نسق معياري ديلموني خاص بالأوزان والمقاييس، على الرغم من التلميح بأن ذلك النسق كان مماثلا تماما للنظام الذي كان متبعا في مدن وادي الإندوس، وتبرز من بين السجلات التاريخية لبلاد ما بين النهرين شخصيات حقيقية من أمثال إيا - نصر، عضو نقابة التجار في ديلمون الذي عاش قرابة عام 1800 قبل الميلاد.

كانت المواصلات خلال الطرق المائية ذات أهمية خاصة لتلك المجتمعات التي كانت تعيش في تلك العصور المبكرة، لأن من المعتقد أن الجمل لم يكن قد أصبح أليفا بعد كي يستخدم كحيوان يحتمل ظروفا قاسية ويحمل أعباء ثقيلة، وتشير الدلائل المستخلصة من آثار الأختام الرسمية إلى أن السفن التجارية الأولى ربما كانت مصنوعة من حزم القصب المربوط بعضها إلى بعض، وقد أثبت العالم النرويجي تور هيردال فاعلية تلك الطريقة لبناء السفن، حيث بنى قاربه المسمى تيجرس (دجلة) وأبحر به من الخليج حول شبه الجزيرة إلى البحر الأحمر وتحدث الكتاب عن التغيرات المناخية والسكانية التي شهدتها المنطقة منذ مئات السنين، والحملات التي جرت في شمال الجزيرة وخصوصا الـ«أروبو» (أي العرب) المنظمين قبليا والذين احتلوا الصحاري والواحات في شبه الجزيرة وشمالها الغربي، وكان قدر المنطقة الشرقية وأهلها آنذاك أن تظل مركز تقاطع قوى النفوذ والتأثير من قلب شبه الجزيرة العربية وجنوبها الغربي ومن أوساط الآراميين ومن جنوب العراق.

وتعد جرها (مملكة هجر) التي أنشئت نحو القرن السادس أو السابع قبل الميلاد وتقع في مكان ما من واحة الأحساء الحافلة بالينابيع الطبيعية الكبيرة، ويمثل عهدها بعد عهد ديلمون فترة الأوج الثاني من فترات الازدهار في تاريخ المنطقة الشرقية، وتتجلى أهميتها التجارية عبر العصور من عدد من مظاهر التأثير والنفوذ التي تتبدى من خلال المكتشفات الأثرية فيها التي تعود إلى العهود الآشورية والبابلية الجديدة وحتى المصرية ومن ثم الإغريقية.

وفي أوائل القرن السابع الميلادي، كانت المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة لا تزال تشهد اضطرابات قبلية في إطار علاقة متأزمة مع الحكم الفارسي الذي كان يبسط سلطانه على المناطق الحضرية المستقرة وحين جاءت الدعوة إلى اعتناق الإسلام في عام 627م كانت مستوطنات واحة الأحساء تحت حكم مشترك من المنذر ابن ساوى، العربي المسيحي الذي يعتقد أنه ينتمي إلى قبيلة عبد القيس، وحاكم فارسي معز مقره في قلعة المشقر بالحجر بالمنطقة، وسارع المنذر إلى الدخول في الدين الجديد، وأرسل وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة لعقد معاهدة معه، ويقال إن الضرائب الأولى التي تلقتها الحكومة الإسلامية في يثرب والتي كانت تتألف من التمور والحبوب جاءت من المنطقة الشرقية لجزيرة العرب، وسرعان ما ترسخ الإسلام في المنطقة بفضل تحول قبيلة عبد القيس في فترة مبكرة إلى الدين الجديد، وشهدت المنطقة أحداثا جساما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث انشقت بعض القبائل عن الحكومة الإسلامية في ما عرف بالردة ثم تحالف بكر بن وائل مع حكام الحيرة السابقين، ومسارعة الخليفة أبو بكر الصديق إلى إرسال العلاء بن الحضرمي على رأس كتائب المسلمين لنجدة عبد القيس التي ظلت على تمسكها بالإسلام، وزحفت عبد القيس بقيادة العلاء وزعيمها الشهير جارود نحو الساحل وحاصرت الفرس في زارا التي كانت معقلهم في واحة القطيف وتمكنت من تحويل سكان جزيرة تاروت والمناطق الساحلية إلى الإسلام.

وخلال عهد الأمويين، رسخ حكامها معقل عبد القيس في هجر بعد سلسلة من الأحداث كانت الأحساء مسرحا للكثير منها، وفي عهد العباسيين أصبحت المنطقة تدفع عائدات مالية ضخمة، كانت تجبى من المنطقة لصالح خزانة الدولة العباسية، وعندما بدأت السيطرة العباسية على العالم الإسلامي بالتفكك والانحسار، وانتشرت إثر ذلك حركات انفصالية وتجذرت إحدى تلك الحركات التي نشأت أصلا في العراق ضمن المنطقة الشرقية، حيث احتلت تلك الحركة التي عرف أتباعها باسم (القرامطة) نسبة إلى زعيمهم حسن بن قرمط القطيف عام 899م، وأحرقت زارا وانطلقت لاحتلال هجر، وانهمكت الحركة بعد ذلك في إرساء قواعد دولة محكمة التنظيم بزعامة الداعية القرمطي أبي سعيد الجنابي الذي اتخذ الأحساء عاصمة له على أنقاض مدينة هجر أو على تخومها مباشرة في واحة الأحساء، وكان عهد القرامطة أوج التاريخ السياسي لواحة الأحساء، وبعد أفول نجم القرامطة متزامنا مع صعود نجم السلاجقة الأتراك في الشمال الذين تمكنوا من إقامة دولتهم في كل من إيران والعراق وشمال سورية نجح أحد زعماء عبد القيس من العيون في شمال واحة الأحساء في الإطاحة بالقرامطة بمساندة السلاجقة وإقامة دولة هناك عرفت باسم (دولة العيونيين) التي استمر حكمها حتى عام 1253م، وأصبحت الأحساء عاصمة للدولة، ثم القطيف التي حلت محل العقير وأصبحت الميناء الأول للمنطقة الشرقية، كما كانت جزيرة البحرين التي كانت تسمى «أوال» تخضع لحكم العيونيين، ثم حلت محلها الدولة العصفورية، وتعاقبت بعد ذلك دول منها الجبريون، ثم العثمانيون الذين اختاروا الهفوف عاصمة للمنطقة الجديدة، وبعدها تمكن آل حميد بن حميد، وهم أفخاذ قبيلة بني خالد، من طرد بقايا الحامية العثمانية هناك، وأقاموا دولتهم بل إنهم أعادوا الحكم المحلي والقبلي التقليدي إلى الأحساء وأحدثوا مركزا لحكمهم خارج الهفوف، وظلت الأحساء تشكل قوة محلية عظيمة وحافظت على نمط الحياة البرية لا الساحلية. وكان لبني خالد آنذاك دور مهم في شؤون المناطق الوسطى من شبه الجزيرة العربية، فقدموا الحماية للقوة الناشئة هناك في العيينة، وحاولوا عرقلة صعود نجم الحركة الإصلاحية وآل سعود في الدرعية، لكن بنو خالد أخفقوا في كبح انطلاقة الحركة وتقدمها العنيد، بل وقعوا تحت تأثيرها إثر معركة (عزيمل) عام 1890 التي جرت في جنوب واحة القطيف، بعدها انضوت المنطقة الشرقية تحت لواء الدولة السعودية الأولى، وأصبحت الأحساء منفذ الدولة السعودية على البحر الذي كان عبره أول اتصال لها مع الشؤون والمصالح الدولية وأبرزها شركة الهند الشرقية، ومن ثم مع بريطانيا، وكان البريطانيون ينوون تأمين ممر إلى الهند عبر الخليج، وهذا يعني إخضاع القراصنة في المناطق العربية والقيام بمراقبة دقيقة للبحار وتطوير علاقات طيبة مع العثمانيين كسياسة عامة.

وبعد سقوط الدولة السعودية الأولى أمام غزو مسلح بقيادة مصرية عثمانية، فكر المصريون في التحرك نحو الأحساء والقطيف، ولأن موارد البلاد لم تكن كافية لدعم احتلال دائم قرروا الجلاء عن المنطقة عام 1819م وعادت الأحساء إلى حكم آل حميد، وعندما نجح الإمام تركي بن عبد الله في إحياء الألق السعودي واختار الرياض عاصمة للدولة السعودية الثانية عادت الأحساء مرة أخرى لتشكل منفذ الدولة الأول على البحر.

وكان قدر الأحساء أن تظل خاضعة للحكم العثماني حتى عام 1913م، وانطلق العثمانيون من مقرهم الرئيسي في الهفوف سعيا وراء تحديث نظامها الإداري، وبعد سلسلة أحداث من قبل السعوديين لتحرير الهفوف من يد العثمانيين أبرزها اغتيال الحاكم العثماني من قبل أهالي المبرز نتيجة خلاف مع أهلها، نجح الملك عبد العزيز في توحيد البلاد واسترد الأحساء تحت راية الدولة السعودية واستقرت الأوضاع في المنطقة التي تعد نافذة السعودية على العالم الخارجي، وأنيطت مهمة الحكم إلى عبد الله بن جلوي ابن عم الملك المؤسس الذي نجح في إحلال الأمن، وأخذت الواردات تتدفق على مناطق الحكم الجديد. وفي عام 1938م، اكتشف النفط تحت قبة الدمام وبكميات تجارية، وخلال العقود الماضية اجتذبت المنطقة الشرقية أنظار العالم.

المناطق الحضرية قبل العصور الحديثة، انحصر الاستيطان في المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية بشكل كامل تقريبا في مدن الواحتين الكبيرتين وقراهما هناك: الأحساء والقطيف، وتجسد في هاتين الواحتين التقاء رائع بين جماعتين: السكان القدامى من الحضر غير القبليين على سواحل الخليج، الذين اندمجوا مع أهل القبائل في المنطقتين الداخليتين الشرقية والوسطى من شبه الجزيرة العربية، ومع انعدام وجود سلطة خارجية، كانت السلطة السياسية في واحتي الأحساء والقطيف، وفي الغالبية العظمى من الحالات، في يد حاكم قبلي كان يحفظ التوازن بين الجماعات المختلفة، وكان ذلك الوضع ينطبق خاصة على واحة الأحساء التي كانت بسبب موقعها في البر الداخلي، تخضع كلية لنطاق القبائل الصحراوية.

كان شيخ المستوطنة (أو حاكمها) يلتزم المساواة والإنصاف في علاقاته مع سكان المستوطنة تماما كما يفعل شيخ القبيلة مع أبناء قبيلته، وكان بابه مفتوحا للجميع ولم يكن يركن إلى مظاهر السلطة الشكلية، ومع أن سلطته كانت تصل إلى الحكم بالموت على أحد أفراد مستوطنته أو العفو عنه، فقد كان يدرك أن «الرأي العام» في المستوطنة يمكن أن يؤدي إلى تنحيته عن سلطته، مما قد يعني اغتياله في الوسط القبلي، كانت الحياة في مدن الواحتين، الأحساء والقطيف، وقراهما، حيث الحواضر التابعة لها أقل كعين جوان وصفوى، تجسد حياة الأوابد الأثرية العظمى من المستوطنات في المنطقة، وكان يقدر عدد السكان في واحة الأحساء عند بداية القرن العشرين بنحو 67 ألف نسمة، بمن فيهم 25 ألفا في الهفوف وثمانية آلاف وخمسمائة في المبرز.

القطيف واحة بحرية، وهي الأكبر على سواحل شبه الجزيرة العربية المطلة على الخليج، كما أنها في الواقع المنطقة المهمة الوحيدة من المناطق الزراعية في البر بين الكويت ودبي وكانت روابطها الثقافية في جلها مع جزيرة البحرين التي كان ساحلها الشمالي واحة بحرية مماثلة ويقطنه عدد من السكان مماثل لأهل القطيف، كما أنهم يعتمدون في كسب أرزاقهم على صيد اللؤلؤ والزراعة التي يغذيها فصل الربيع، وكان عدد سكان القطيف صغيرا نسبيا أوائل القرن العشرين، إذ لم يكن يتجاوز نحو 26 ألف نسمة كان نحو عشرة آلاف منهم يسكنون بلدة القطيف وضواحيها، والباقي في القرى السبع عشرة أو نحوها المنتشرة بين البساتين أو على طول الساحل.

أما سكان جزيرة تاروت التي ترتبط بواحة القطيف عبر مخاضة ضحلة المياه إلى الشمال مباشرة، من كوت القطيف، فكانوا أكثر تنوعا من أهل القطيف، ويعد الاستيطان في تاروت قديما جدا ويعود إلى خمسة آلاف عام وأكثر، ومن بين سكانها البالغ عددهم ثلاثة آلاف وخمسمائة شخص عام (1900م)، كان نصفهم تقريبا يعيش في قرية تاروت وسط الجزيرة، كان أولئك من صيادي اللؤلؤ (البحريين) والغواصين ومزارعي الحقول والبساتين الواسعة التي تغطي حتى اليوم الجزء الشرقي من الجزيرة، وكانت دارين، ميناء تاروت، قرية يعيش فيها صيادو الأسماك واللآلئ.

لا تزال دارين اليوم ميناء لصيد الأسماك تنشط فيه صناعة تصليح القوارب، وعلى الساحل الشمالي للجزيرة كانت قرية سنابس، التاريخية القديمة، مركزا لجماعة كبيرة من صيادي السمك واللؤلؤ، وكانت قواربهم الثمانية والستون تشكل أسطولا أكبر بكثير من أي مجموعة قوارب أخرى لصيد اللؤلؤ على الساحل السعودي المطل على الخليج، وفي قرية فانيا أو زور الصغيرة كان أهلها يعيشون على صيد اللؤلؤ شمال الجزيرة، كان أولئك السكان من مختلف القبائل التي قدمت من جنوب الخليج.

كان التجار وملاك الأراضي والحرفيون يتركزون في المدن: كالهفوف والمبرز في واحة الأحساء وبلدة القطيف في واحة القطيف وكانت تلك البلدات أسواقا لبيع فائض الإنتاج في الواحات ومراكز للحرف والمنتجات المتخصصة ومقرات للدوائر الحكومية، وباستثناء بعض المدن العمانية والبحرينية، كانت الهفوف آمن مركز للاتجار في المواد الغذائية المنتجة في المنازل والسلع المصنعة في شرق شبه الجزيرة العربية برمته، وبخلاف طراز البناء في المبرز والقطيف، كانت الهفوف بلدة رحبة ومنظمة تنظيما معماريا جيدا ومميزا جدا في بيوتها وقلاعها وقصورها.

كان أهل الهفوف يمارسون تجارة نشطة وقد اشتهروا بنسيج البشت (وهي لمن لا يعرفها، العباءة التي يرتديها سكان شبه الجزيرة العربية فوق ملابسهم)، وكان ذلك النسيج يصنع بأنوال قديمة يدوية في نحو خمسة عشر مصنعا صغيرا منها، وكان الخياطون أيضا منخرطين في تنظيم مماثل ومتطور، ولا ننسى النحاسين الذين كانوا يصنعون أباريق القهوة التي اشتهرت بها الأحساء إضافة إلى أواني الطبخ الأخرى، وكانت هناك أيضا صاغة الفضة والذهب والحدادون، وكان النجارون يصنعون الأثاث المنزلي والأبواب والنوافذ وبعض أواني الطعام وأطر السروج التي توضع على ظهور الخيل والتجهيزات الخشبية للآبار وأطر (الطارات) الموسيقية وصناديق نقل البضائع ومصايد الطيور إلخ. وكان عمال الجلود يصنعون أحذية بسيطة وصنادل، وفي جميع أنحاء الواحتين كانت هناك أيضا حرفتا استخراج الأحجار من المقالع وإعداد الجير الكلسي للبناء، وكان الحرفيون المتخصصون الوحيدون الذين كانوا يعملون خارج الهفوف هم صناع الأواني الفخارية في جبل قارة، وكان من الصناعات اليدوية المألوفة في القرى هنا، ولا سيما منها القرى حول جبل قارة، صناعة السلال ونسج الحصر من أوراق النخيل، أما البسط والقرب الجلدية فكان يصنعها البدو.

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
تمريّون
Admin
avatar

عدد المساهمات : 838
نقاط : 1544
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 03/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الأحساء .. من تفجر الينابيع إلى انفجار النفط - منفذ الدولة السعودية عبر البحر ومنها تم أول اتصال للدولة مع العالم * مدن الملح والواحات تعانق مدن النفط وتستمد وجودها من الذهب الأسود * العيونيون والعصفوريون والجبريون والقرامطة أقاموا دولا هنا   السبت مارس 02, 2013 7:25 pm

كان عمال الحقول والبساتين في واحتي الأحساء والقطيف يعيشون في قراهم وكانوا يتوجهون إلى بساتينهم كل يوم، ولم يكونوا يملكون تلك البساتين بل كانوا يعملون على أساس الحصول على حصة من المحصول السنوي من صاحب الأرض، وكانت تلك الحصة ثابتة نسبيا حسب كمية المحصول، وكان ذلك يعني أن العامل في سنوات الخير قد يحصل على حصة وفيرة، لكنه في السنوات العجاف قد يضطر إلى اقتراض المال أو تعديل شروط العقد مع صاحب الأرض، ولما كان أصحاب الأراضي يتعاطفون مع عمالهم لأن من مصلحتهم كسب ضمائر العمال كي يجتهدوا في الاعتناء بممتلكاتهم القيمة، وإذا عاملوهم بقسوة، فقد يلجأ العمال إلى الحاكم الذي كان يعد حامي الضعفاء ضد أي تعسف أو ظلم.


شهدت الواحات انتشار قرى كبيرة فيها: ففي عام 1950م كان هناك سبع قرى في واحة الأحساء يزيد عدد سكان كل منها على ألفي شخص، بما في ذلك قرية طرف التي يبلغ عدد قاطنيها ثلاثة آلاف وسبعمائة نسمة، وكان مجموع عدد السكان في تلك القرى ذلك الوقت يقدر بنحو 72 ألفا، وكانت القرى قريبة من البساتين التي كان يرعاها القرويون، لكنها كانت عموما تنتشر على تخوم المناطق المزروعة، ويبدو أن بعض القرى قد تراجعت مواكبة للخط الأخضر الذي انحسر مع بساتينه خلال القرون ربما بسبب الملوحة الناجمة عن تزايد شح المياه لأمد طويل في المنطقة.

كانت الأسوار تحيط بالقرى الأكبر حجما، وكان معظم البيوت مبنيا بكتل من الحجر الكلسي المغطى بالجص أو الطين، وكان بعضها يبنى بكتل من الطين نفسه، وهو الأسلوب المعروف في نجد، وكان النسيج العمراني بسيطا، تكمله الأزقة الضيقة وكتلة المسجد وساحة عامة وسط القرية، أما القرى الأصغر والأفقر فلم تكن لها أسوار وغالبا ما كانت تنتشر فيها (الباراستي)، أي البيوت المبنية من جريد النخيل بين بيوتها الأمتن من كتل الأحجار الأخرى والطين، وداخل البساتين كانت تنتشر أيضا قرى أصغر دون أسوار ومعظم بيوتها من جريد النخيل.بنى بعض التجار وملاك الأراضي لأنفسهم دارات صيفية واسعة ضمن بساتينهم وافرة الظلال، حيث كانوا يمضون أشهر الصيف في التسلية، ولا سيما بعد نجاح آل سعود في نشر الأمن والهدوء في أرجاء المنطقة، وكان بعض تلك الدارات، التي كانت تسمى (قصور) مشيدة بطراز منمق للغاية وكان في الفاخر منها أحواض للسباحة.

كانت مناطق الاستيطان الأخرى الوحيدة في المنطقة الشرقية مناطق قبلية وكان أفراد قبيلة بني خالد ممن آثروا الاستقرار على حياة الترحال قد استوطنوا جزيرتي جنا والمسلمية قبالة ساحل شبه الجزيرة في الخليج، وكانت الجبيل، المدينة الصناعية الكبرى اليوم، قرية تقليدية لصيادي السمك حين وصل إليها المنقبون الأميركيون عن النفط عام 1932م، ولكنها لم تكن قائمة قبل ذلك بثلاثين عاما، وقد تبرز المستوطنات القبلية في مناطق البادية شبه الصحراوية بسرعة لتواكب تغير الظروف الاقتصادية والسياسية، ثم تتلاشى بالسرعة التي كانت قد برزت فيها.

من تلك المستوطنات العابرة قصر الصبيح الذي يقع داخل البر على بعد نحو ستة كيلومترات عن الجبيل، وفي عام 1905م أعادت أفخاذ من قبيلة بني خالد بناء قلعة قديمة هناك وأنشأت قرية بيوتها من جريد النخيل، وكان عددها ثلاثمائة وخمسين بيتا تؤوي نحو ألف شخص، أي مستوطنة كبيرة بمقاييس ذلك الزمان، واستخدمت كقاعدة للعمليات ضد قبيلتي مطير ومرة اللتين كانتا من خصوم بني خالد، وكانت تلك المستوطنة خارج نطاق الإدارة العثمانية، وكان قدرها أن تفقد مركزها ذاك حين أرسى آل سعود قواعد نظامهم الجديد في المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية عام 1912م.

زراعة الواحات تعد واحة الأحساء، التي تحيط بها الصحراء القاحلة وتعتمد على مصادرها المائية الذاتية، من كبرى الواحات الحقيقية في العالم، وكانت قبل التطور العمراني والصناعي الذي شهدته في السنوات الماضية، منطقة متميزة بسحر خاص، فقد كانت تضم جزرا شاسعة من الخضرة الممتدة على مد البصر، وفي محاذاتها مباشرة محيط كبير من الأرضي الجرداء، لكن هذا التباين الواضح تداخلت ملامحه اليوم بعد أن زحفت على خضرته المباني والمنشآت الحديثة التي أزالت نحو نصف المساحات الخضراء منطلقة في معظمها من الهفوف والمبرز.

كانت مساحة الأراضي المزروعة قرابة الاثني عشر ألف هكتار، وأقرب إحصاء لعدد أشجار النخيل هناك يمكن الاعتماد عليه يقدر بثلاثة ملايين شجرة، ومنذ اكتمال شبكة الري في الواحة أوائل سبعينات القرن العشرين، ازدادت رقعة الأراضي التي أصبحت زراعتها ممكنة بنحو 19 ألف هكتار. أما القطيف، فهي واحة بحرية يعمل أهلها في كسب رزقهم من صيد اللؤلؤ والسمك والتجارة البحرية إضافة إلى الزراعة، وهي ليست كبيرة بحجم واحة الأحساء ولا تتجاوز مساحة الأراضي المزروعة فيها الـ4 آلاف هكتار، وكما هي الحال في الأحساء، هناك دلائل أيضا على انحسار كبير في مساحة الأراضي الزراعية في القطيف مقارنة بالعهود الغابرة حين كانت المستوطنات المنتشرة خارجها اليوم، كعين جوان وصفوى وسيهات، كما يعتقد، جزءا من واحة وارفة واحدة متسقة. لقد أمكن توسيع الرقعة الزراعية الشاسعة في الأحساء والقطيف بفضل كميات الماء الهائلة المنبعثة من الطبقات الصخرية الجوفية (توضعات الخبر وأم الراضومة) بفعل الضغط الارتوازي الطبيعي، ففي واحة الأحساء تنبعث المياه من نحو خمسمائة نبع بعضها واسع جدا.

وقد قامت الحكومة السعودية بإحلال نظام حديث لتوزيع المياه محل النظام القديم في مشروع بدأ منذ منتصف ستينات القرن العشرين وأكمل عام 1972م يرمي إلى الحد من الملوحة المتزايدة داخل التربة وما ينجم عنها من انحسار رقعة المساحات الخضراء في الواحة، وضمن المشروع سقاية البساتين بالماء العذب وحده وصرفه بعد ذلك دون إعادة استعماله خارج الواحة.

الحياة البحرية وصيد اللؤلؤ كانت واحة القطيف وتوابعها، بما في ذلك جزيرة تاروت، تشكل بمجموعها منطقة الاستيطان الرئيسية على ساحل المنطقة الشرقية لشبه الجزيرة العربية، وكان للواحة وتوابعها بحكم موقعها وظروفها توجه واضح نحو البحر، ومع ذلك ولكونها في معظمها واحات فهي لم تكن مراكز بحرية بالمعنى المعروف عن المراكز البحرية الواقعة على ساحل شبه جزيرة العرب من الخليج ككل، فواحات القطيف كانت، باستثناء الساحل الشمالي للبحرين، المنطقة الزراعية الوحيدة بمساحة واسعة على طول امتداد الساحل العربي للخليج من شط العرب شمالا إلى دبي جنوبا.

كان اعتماد أهل القطيف على الموارد البحرية في حياتهم أقل بكثير من المراكز البحرية الأخرى هناك. وقد طور هؤلاء أنماطا في الزراعة تكاد تخلو من أنماط الزراعة المعروفة في المناطق البحرية على الساحل، لكن حياة أهل القطيف في الوقت نفسه كان لها بعد بحري، إذ كانوا يمارسون تجارة البحر والغوص بحثا عن اللؤلؤ وصيد السمك، لكن من مارسوا تلك الأنشطة كانوا قلة وكانت أنشطتهم تلك غالبا ما ترتبط بالزراعة.

كانت القطيف، في فترات مختلفة من الماضي، قد ازدهرت كميناء، إبان حكم العيونيين والعصفوريين مثلا، في القرون الخامس والسادس والسابع الهجري (الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر الميلادي). لكن، لم تكن لها الشروط اللازمة لجعلها ميناء جيدا، وكانت البحرين على الدوام ذات الموقع الأفضل لتكون الميناء الذي تدخل منه البضائع القادمة بطريق البحر، ونتيجة لذلك كانت القطيف في غالب الأحيان ميناء محليا لكنه مهم.

وينطبق الوضع ذاته على العقير، الذي على الرغم من كونه ميناء حيويا في القرن التاسع الميلادي وما بعده، فقد اقتصر دوره في معظم فترات تاريخه على تخديم واحة الأحساء فحسب.

وكان صيد اللؤلؤ في قاع الخليج المحاذي لسواحل المنطقة الشرقية لعدة قرون، بل ربما لآلاف السنين، نشاطا اقتصاديا مهما قد يعود تاريخه إلى العصر الحجري الحديث، وقد جاء ذكر اللآلئ في السجلات الأثرية قبل ما لا يقل عن ألفي عام في المقبر الذي عثر عليه في جوان، كما كتب المؤلف الإغريقي الذي سطر كتاب (بيريبلوس البحر الإرتيري) بين القرنين الأول والثالث للميلاد، عما وصفه بمصايد اللؤلؤ الكثيرة في الخليج، وكان اللؤلؤ من أهم صادرات المنطقة إلى جانب الخيول والتمور خلال العصور الوسطى.

في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للهجرة (التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلادي) عكف المسؤولون البريطانيون هناك على إعداد بيانات إحصائية عن أوضاع تجارة اللؤلؤ تبين لنا أن المشيخات الواقعة على ساحل الخليج الجنوبي كانت، قبل عصر النفط، تعتمد اعتمادا يكاد يكون كليا على تلك التجارة، وكانت ضفاف اللؤلؤ أو المغاصات في قاع الخليج تتمتع بشهرة عالمية من حيث جودة كنوزها الطبيعية هذه وتوافرها بكميات غزيرة، وكانت تلك السلعة تباع عبر بومباي في الهند إلى بيوت الموضة المشهورة في كل من أوروبا وأميركا.

يقدر عدد القوارب العاملة في صيد اللؤلؤ هناك عام 1907م بنحو 4 آلاف و500 قارب يستخدمها زهاء 74 ألف غواص وبحار وقبطان، كما يقدر أن تجارة اللؤلؤ في الخليج كانت تدر على أصحابها مالا يقل عن مليون وخمسمائة ألف جنيه إسترليني (حسب قيمتها عام 1907م) سنويا، مما كان له أكبر إسهام في ازدهار اقتصاد الخليج، وفي أواسط القرن الرابع عشر الهجري (عشرينات القرن العشرين الميلادي) ارتفعت تلك الأرقام، وأصبح نحو نصف مليون شخص في المنطقة يعتمدون في معيشتهم على ما يستخرجه الغواصون من اللآلئ وأصبحت المنامة عاصمة البحرين مركزا لتجارة اللؤلؤ وغمرت الثروات الهائلة عددا من تجار هذه السلعة الطبيعية.

في أواسط القرن الرابع عشر (ثلاثينات القرن العشرين)، أصيبت هذه التجارة بضربة كبيرة حين بدأت كميات هائلة من اللؤلؤ المصنع تكتسح الأسواق، وكان يمكن أن تؤدي تلك الضربة إلى إصابة الاقتصاد في المشيخات بشلل تام لو لم تكلأ العناية الإلهية المنطقة بنعمتها وتكشف لها عن مورد طبيعي آخر أكبر قيمة بكثير في الوقت ذاته الذي كان اللؤلؤ المصنع فيه يقضي على تجارة اللؤلؤ الطبيعي، وثبت على الصعيد الاقتصادي أهمية النفط المكتشف التي فاقت كثيرا قيمة اللؤلؤ بالنسبة إلى أهل الخليج، والمفارقة، أن النفط حين حل محل اللؤلؤ هناك قد رسخ التقليد القديم في المنطقة التي بقيت دولها تعتمد على سلعة واحدة منفردة كعماد أساسي لاقتصادها.

وعلى الرغم من أن ساحل الأحساء كان يؤدي دوره المهم في تجارة اللؤلؤ، فإن ذلك الدور لم يكن دورا نموذجيا لدولة بحرية، فالواحة بحكم سماتها البرية من حيث زراعة الواحات والصناعات الإنتاجية فيها لم تكن أبدا تعتمد اعتمادا كبيرا على صيد اللؤلؤ، وتبين الإحصاءات المدونة عام 1907م أن موانئ الأحساء لم تسهم في تلك الصناعة بأكثر من 167 قاربا و3444 بحارا وغواصا مقابل 9200 شخص من الكويت وزهاء 12 ألف شخص من قطر وأكثر من 17 ألف شخص من البحرين.

وكان إسهام جزيرة تاروت وحدها نحو ثلثي أسطول صيد اللؤلؤ في المنطقة الشرقية بأكملها. وهناك فوارق أخرى أيضا بين صناعة صيد اللؤلؤ في ساحل الأحساء وفي ساحل البحرين، إذ كان قسم كبير كما هو الحال في قطر، من رجال القبائل الذين كانوا يقصدون الساحل في موسم الغوص لا غير، وكان الكثير منهم ممن لم يرزحوا في حياتهم أبدا تحت وطأة الديون، يتجمعون للعمل في قوارب يملكونها بأنفسهم وكان نواخذة القوارب يخشون عواقب خداعهم، يضاف إلى ذلك أن رجال القبائل هؤلاء كانوا أحرارا في اختيار أرباب العمل والتوجه إلى رب عمل آخر حين يشاؤون.

صيد السمك وبناء القوارب كان صيد السمك على الدوام نشاطا ذا نطاق محدود وصغير على سواحل المنطقة الشرقية لشبه الجزيرة العربية، وهو الذي يظهر مرة أخرى أن اقتصادها كان يعتمد أساسا على المنتجات البرية، ومع ذلك كان هناك قدر معين من هذه الصناعة لتلبية الطلب المحلي المحدود على السمك.

كان معظم أساليب الصيد يستغل مناطق المياه الضحلة على طول الساحل، ولا سيما منها المناطق القريبة من الأحواض الغنية بالأعشاب البحرية كخليج تاروت، من تلك الأساليب استخدام نوعين من الشباك: شباك الدسام وشباك الإعاقة، وكلاهما مصمم لحصر الأسماك فيه بفضل دساماته التي تعيق محاولة الأسماك الهروب من الشبكة، وكل من هذه الشباك يزيد طوله على خمسين مترا، وعمق غاطسه يراوح عادة بين متر ومترين وتربط الشباك في خط طويل بحيث تدفع الخصائص الطبيعية للساحل الأسماك في اتجاهها وإلى داخلها وكانت الشباك المثبتة بالعيدان تلقى في المياه الضحلة كمياه الخلجان الصغيرة بأشكال دائرية أو حلزونية وتعلق الشباك بالعيدان التي تثبت في إحدى نهايتي الشبكة على الشاطئ وتقع الأسماك في فخ الشبك المنصوبة وداخل امتدادها الحلزوني الذي يدفعها على طول الشبكة كلها.

بعيدا عن الشواطئ الهادئة، كانت الشباك المحيطة من وسائل صيد السمك المألوفة عبر العصور، وكانت تلك الشباك تلقى في المياه بحملها مشيا على الأقدام أو بالقوارب وتمد مدا أو بشكل مستدير حسب طولها، ومن ثم تسحب إلى الشاطئ ولصيد الأسماك الصغيرة في المياه الضحلة كانت تستخدم بكثرة الشباك التي تلقى بشكل مستدير وبعرض مترين إلى ثلاثة، وكانت تتطلب مهارة فائقة لإلقائها في الماء بالشكل الصحيح.

كانت الفخاخ الخشبية أو المصنعة من الأغصان لصيد السمك من المشاهد المألوفة على طول سواحل الخليج، وتستغل هذه الفخاخ تدفق مياه المد فوق المناطق الطينية المنبسطة والضفاف الرملية، وتصنع معظم تلك الفخاخ من عيدان النخيل أو القصب وتزرع عموديا في الماء على شكل الرقم 7 وتنتهي بجيب صغير يعلق فيه السمك حين يحدث الجزر، وقد تستخدم أحيانا حجران حجرية منخفضة مصممة على هذه الشاكلة بدلا من الشباك. لا تزال تستعمل حتى اليوم أحيانا رماح يدوية بدائية لتصيد السمك العابر أو للصيد على طول مناطق المياه الضحلة في الليل. وقد تستعمل أيضا عصي يدوية بسيطة لهذا الغرض.

يستعمل الصيادون في المياه الأعمق قدور السمك، التي كانت ذات يوم تصنع من جريد النخيل، لكنها تصنع اليوم من أسلاك فولاذية، ويوضع الطعم في هذه القدور ثم تلقى في الماء على عمق يصل حده الأقصى إلى عشرة أمتار، أما الأسماك الأكبر حجما فيجري اصطيادها بخطوط من الحبال الرفيعة التي توزع على طولها الطعوم وتجر وراء القارب.

لا يزال الناس في المنطقة الشرقية يمارسون صيد السمك بالأسلوب التقليدي عموما ولا تنطوي مظاهر التحسين الحديثة بشكل عام على أكثر من تغيير في المواد، فقد كانت الشباك تصنع مثلا من خيوط القطن لكنها تصنع اليوم من النايلون وربما كان أبرز تغيير في هذا المجال استخدام المحركات بدلا من الأشرعة في تسيير القوارب، وتوضع هذه المحركات إما داخل القارب وإما خارجه.

قبل الأزمة التي أدت إلى تلوث مياه الخليج بالنفط عام 1991م، كانت الهيئات الحكومية المعنية قد حددت عددا من موارد صيد الأسماك في المنطقة يجري استغلالها بأساليب الصيد العصرية، وكانت شركة مصائد الأسماك السعودية تصطاد الربيان بكميات تجارية ويجب إجراء المزيد من الأبحاث اليوم لتحديد مستوى مخزون الأسماك الذي يمكن استغلاله.

القوارب التقليدية التي نشاهدها اليوم على سواحل المنطقة الشرقية هي من طراز الشوعي الصغير المعدل كي يضاف إليه محرك والمستخدم لصيد السمك أو كوسيلة من وسائل النقل المحلي على نطاق صغير، وفي الماضي، ولا سيما بعد دخول السفن التجارية إلى الخليج أواسط القرن التاسع عشر كان مشهد سفن الشحن الشراعية الكبيرة المبنية في الخليج من المشاهد المألوفة في عرض البحر أو قرب السواحل، لكن ساحل الأحساء خلا من الموانئ الطبيعية ذات المياه العميقة، وكان على تلك السفن أن ترسو قبالة الساحل حيث يتم تفريغها وتحميلها بالزوارق الصغيرة، فالسفن التي يبلغ غاطسها أكثر من ستة أقدام (نحو المترين) لم يكن في إمكانها الاقتراب من القطيف على سبيل المثال، رغم أن المراسي في دارين ورأس تنورة القريبتين كانت مياهها أعمق.

ولذلك، لم يكن من العجب ألا تزدهر صناعة بناء السفن في القطيف وجزيرة تاروت كما ازدهرت في كل من البحرين والكويت، ومع ذلك كانت هناك صناعة متواضعة في هذا الميدان في ميناء دارين، حيث لا نزال إلى اليوم نجد قدرا ضئيلا من مزاولة إصلاح القوارب.

كانت أساليب بناء القوارب في المنطقة سابقا هي الأساليب ذاتها التي كانت مألوفة في الخليج آنذاك، إذ كانت القوارب تبنى على شاكلة الأصداف، أي إن الألواح الخشبية كانت تثنى ويربط بعضها ببعض أولا ثم تركّب على الهيكل وعلى عمودي المقدمة والمؤخرة، أما الأضلاع فكانت تثبت في ما بعد، وكان تثبيت الألواح على جسم القارب يتم بوضع الحافة على الحافة، وكان الخشب المستعمل لبناء الهيكل وعمودي المقدمة والمؤخرة وألواح تلبيس الجسم وصناعة الصواري، يقطع من أشجار التيك ويستورد من الهند، بينما كانت أخشاب الأضلاع والركب من القطع الطبيعية المعوجة المنتشرة في الخليج وأماكن أخرى.

عصر النفط في عام 1938م وبعد خمس سنوات من البحث والتنقيب دون جدوى، قرر الجيولوجيون الأميركيون في شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» (SOCAL) أن بئر الدمام (رقم 7) يجب أن تحفر إلى مسافة أعمق قليلا وكان من شأن ذلك القرار الذي اتخذ في خضم مشاعر من الضيق والتبرم حيال عدم إثبات ذلك الكنز الطبيعي النفط في طبقات الأرض الصخرية - أن يؤدي إلى اكتشاف النفط هناك بكميات هائلة، وبهذا بدأ عصر جديد في المنطقة الشرقية وفي المملكة العربية السعودية جميعها.

ظلت بئر الدمام رقم 7 تنتج كميات متواضعة نسبيا من النفط حتى عام 1982م، وهو اليوم معلم ولو على نطاق محدود، من معالم اكتشاف أكبر احتياطي معروف من هذه الثروة الطبيعية في العالم.

يعتقد أن حقول النفط في المنطقة الشرقية مع الحقول الجديدة المكتشفة حول العاصمة الرياض تختزن اليوم احتياطيا نفطيا يقدر بمائتين وستين بليون برميل، أو أكثر من مجموع ربع الاحتياطي المعروف في العالم، ويعاد النظر باستمرار في هذا الرقم مع اكتشاف حقول نفط جديدة وتطور تقنيات استخراج النفط. وغني عن القول أن الازدهار الاقتصادي الذي تتمتع به المملكة العربية السعودية ودورها القيادي في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وأثرها الاقتصادي على الصعيد العالمي، تنبثق جميعا ومباشرة من مجرد توافر الحجم الهائل من (الذهب الأسود) المختزن في باطن الصحراء والبحر في المنطقة الشرقية.

تزامن اكتشاف الثروة النفطية في المنطقة الشرقية في اللحظة السعيدة، مع مساعي السعودية الناشئة لإعداد أجهزة الدولة وإرساء قواعدها، فقد كانت المؤسسات الحكومية الأولى في طور التشكيل، وكانت أول أعمال التوسع في مدينة الرياض، التي تقرر أن تصبح عاصمة المملكة الجديدة، تجري على قدم وساق، وكانت تلك التطورات تتطلب أموالا عاجلة لإرساء البنية التحتية التي تجعل الدولة الناشئة في رعاية حكومة فاعلة، وكان نفط المنطقة الشرقية الوسيلة التي تمكنت المملكة بها من تحويل أوضاعها في فترة زادت قليلا على أربعين عاما وحسب، من منطقة تقليدية متخلفة ماديا في الشرق الأوسط إلى دولة عصرية مزدهرة كما نشهد اليوم.



http://www.hassacom.com/news.php?action=show&id=10482

تم إضافته يوم الجمعة 27/08/2010 م - الموافق 17-9-1431 هـ الساعة 9:50 صباحاً

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الأحساء .. من تفجر الينابيع إلى انفجار النفط - منفذ الدولة السعودية عبر البحر ومنها تم أول اتصال للدولة مع العالم * مدن الملح والواحات تعانق مدن النفط وتستمد وجودها من الذهب الأسود * العيونيون والعصفوريون والجبريون والقرامطة أقاموا دولا هنا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
بيت التراث الهجَري ـ الأحساء - تأسس عام 2009م - :: تــــراث دلـمون الخليــجي :: الحرف والمهن-
انتقل الى: